الشيخ محمد رشيد رضا

443

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفلسفة التعبد والوجدان ، وما يتبعه من دعوى علم الغيب المسمى بالكشف ، والكرامات الشاملة لدعوى التصرف في الكون ، ونقول في كل منها كلمة ( 1 ) السياسة الدولية وكان مثارها الأول ما شجر بين الصحابة ( رض ) ثم كان أشدها إفسادا ما كان بين أهل السنة والشيعة ، وقد زالت الخلافة وضاعت سيادة الأمة من أكثر العالم ، ومفاسدها لا تزال ماثلة ، مما للزعماء المستغلين لها من المنافع الدنيوية الزائلة ، وانها لعصبية قضتها السياسة ، وستقضي عليها السياسة ، وقد زالت السلطة الدينية من بعض ممالك المسلمين وبقي لها بقية في بعض ، وبعضها مذبذبة بين بين ، ولا محل لبسط ذلك هنا ولا فائدة في هذا الوقت . إلا التذكير بأن المنتمين إلي مذاهب السنة قد غلبهم جهلة الأعاجم على خلافتهم بعد أن جعلوها عصبية وراثية فلم يعملوا أي عمل لتقويتها بعد ضعفها ، ولا لإحيائها بعد موتها ، ولم يضعوا نظاما للاستعداد لذلك عند سنوح الفرصة كما فعل الكاثوليك بنظام الفاتيكان البابوي ، وكانت الزيدية من الشيعة المعتدلة أشد حزما واعتصاما منهم بنصب إمام بعد إمام لهم في جبال اليمن يتولونه ويقاتلون معه . بيد أنهم قصروا في وضع نظام لتعميم الدعوة ، والاستعداد له بالعلم والمال والقوة ولكن غلاة الشيعة نقضوا أركان الاسلام من أساسه بدعاية عصمة الأئمة ، وتأويل نصوص الكتاب والسنة ، فكان هذا أصل كل ابتداع مخرج من الملة ، إذ انتهى بأهله إلى ادعاء الوحي وادعاء الألوهية ، فخرجوا من الملة سرا فعلانية ( 2 ) النظريات العقلية ، وتحكيمها في النصوص النقلية ، وكان أضرها وشرها ذلك التنازع بين أئمة الاتباع وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ، ودعاة الابتداع من متكلمي نظار المعتزلة والجهمية ، ولولا تدخل سلطان العباسيين في نصر فريق على فريق ، لما وصلت إلى ذلك الحد من الشقاق والتفريق ، وقد ضعفت في هذا العصر في أكثر الأمصار الاسلامية لأنه ليس لها دول تنصر بعض أهلها على بعض ، ومتى توطدت حرية العلم كان النصر والفلج لأهل الحق ، وسيموت ما بقي من علم الكلام بموت الفلسفة اليونانية التي بني على قواعدها